كتابات وآراء


08 أغسطس, 2018 09:10:00 ص

كُتب بواسطة : محمد مهند ضبعان - ارشيف الكاتب


يحكى بأنه و في غابر الزمن .. قبل ٣٥ عام تقريبا ... حينها كنت أبلغ من العمر ٥ سنوات ..

طلبت من والدي أن يشتري لنا موزا .... 
و بحكم أن الوالد أطال الله في عمره كان من الطبقة الكادحة و كان الموز في تلك الفترة حكرا على الطبقات الراقية المخملية ... فإنه وضع طلبي في الدرج ريثما تتغير الأحوال .... 
و استمر الطفل في الانتظار إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ... 
إلى أن تدخل أحدهم و أخبرني بأنني إن عملت صالحا 
سأدخل الجنة ... و الجنة فيها موز !!
و هكذا صارت كل أفعالي مرتبطة بالموز !!
تسمع كلام أمك و أبيك ... تنفذ من دون اعتراض ... تجتهد في دروسك .. تطيع أستاذك ... تتحلى بالأخلاق و لا تشاغب ...
و كله في سبيل الموز !!!

لا أخفيكم يا سادتي .. بأن والدي كان يملك مزرعة ورثها عن جدي ... و فيها من كل الثمرات ... تفاح مشمش دراق كرز جارنك خوخ جوز رمان تين سفرجل توت ...
و رغم ذلك لم تكن تلك المزرعة هي جنتي الموعودة ...لأنها لا تحوي موزا !!!

و مضت الأزمنة بطريقة أهانت الموز لأبعد الحدود ... 
و رغم أني كنت ذاك العاشق المتيم به إلا أن حبه و بطريقة ما خرج من قلبي !!..

كبرت قليلا ... و بدأت ملامح النضوج الجسدي تظهر ..
أذكر حينها أن إمام المسجد قال : بأن للذكر في الجنة ٧٢ حورية ... 
في تلك الفترة أيضا ... قدمت لوالدي طلبا بالزواج ...
و كطلب الموز ... تم وضعه في الدرج إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ... 
الغريب هو أن الجنة تحولت في نظري من مزرعة موز إلى مسبح فيه الكثير من النساء الجميلات .. !!!
و لكن دخولي إليها أيضا كان موضع استغلال ... 
عليك أن تكون محترما ... عليك أن تكون خلوقا ... عليك أن تعمل بجد و اخلاص ... عليك ألا تعترض على قرارات رب عملك و مختار القرية ...

و مضت الأزمنة مرة ثانية ... و الجنة تتغير كل فترة !!
تارة أراها كنوزا من الذهب و المجوهرات و تارة سهرات أنس و شراب ... و تارة مكتبة و أقلام و مؤلفات و دواوين شعر و روايات .... و تارة مرسم و ألوان و لوحات ... و مرة مركز بحوث علمية ... 
و لكن الغريب في الأمر ... هو مفتاحها الوحيد الذي لم يتغير !!
نفذ ما تؤمر به لتنال ما تريده !!!

و في أحد الأيام و بينما كنت أقرأ ... استوقفني مفهوم الجنة عند شعوب الفايكينغ القدماء ... 
فالجنة لديهم كانت ساحة كبيرة للمبارزة و الفروسية ...
بل أن مفهوم الخير و الشر لديهم مرتبط بالشجاعة و الجبن ... 
الفارس في الدنيا مصيره جنة الآخرة ... حيث المبارزة الأبدية ... 
أما الجبان فيجلس ليشاهد فقط من دون مشاركة !!

لا أخفيكم يا سادتي بأنني حينها صرت أتلمس رقبتي ... لأفتش عن الرسن الذي وضع حولها من دون علمي !!
و منذ ذلك الحين لم تعد الجنة هاجسي ... 
لأنني أدركت بأنه يمكنني صناعتها في داخلي بالشكل الذي أرغب به من دون أن أفقد شيئا من حريتي أو انسانيتي ... 
أدركت بأنها قد تكون في ضحكة طفلي و أنا ألعب معه ... 
في مسح دمعة انسان حزين .. 
في سقاية شجرة عطشى ... 
في ابتسامتي بوجه صديقي .. 
في ايماني بأن الحب يستطيع صناعة المعجزات ... 
في الحكمة التي تعالج أرواحنا المريضة .... 
في الأمل ... في العطاء ... في المحبة ... في الخير ... في كل جميل ....

نعم يا سادتي ... 
الجنة موجودة في داخل كل فرد منا ...
و لا تحتاج لمفتاح يصنعه الآخرون .... 
فلماذا لا نسكنها ؟!!!