كتابات وآراء


25 فبراير, 2015 11:25:00 م

كُتب بواسطة : د. منى المحاقري - ارشيف الكاتب



كتب : د.منى المحاقري *

في الوقت الذي أعلن فيه عدد من الشعراء الشباب القطيعة مع التراثالعربي ،وحاولوا فيه تجربة الكتابة الإبداعية تحت مسميات جديدة كقصيدة النثر،حملتمضامين جديدة ،وجدها البعض أصدق في التعبير عن روح العصر وأقرب من مشكلاته.نجد أنفسناأمام ديوان "السراجالمنير"للشاعر وليد العليمي والديوان يعد عمل شعري جديد وجاد إستطاع الاتصالبالتراث والتأثر به،وهو لا يستلهم الموضوع فحسب ولكنه يستلهم القالب الفني أيضا.

فالهامش في الديوان يمثل متنا موازيا ،بمعنى ،أنه لا يمكن أن نقدم هذاالديوان دون هذه الشروح المبسطة والتي تشكل نصاً موازيا لهذه النص السيريالتوثيقي.ٍ هذا العمل لتبسيط وكتابة السيرة النبوية شعراً لن يأخذ موقعه الصحيح وأهميتهإلا باعتبار الهدف التعليمي التوثيقي، ومن هنا فهذا العمل الجاد لتوثيق السيرةالنبوية الشريفة شعرا يأتي في إطار مشاريع تقريب الثقافة الإسلامية للشباب فيأيامنا هذه التي كثرت فيها التحديات وحالت وسائل التواصل والاتصال الحديثة بينالنشء العربي و بين ثقافته الإسلامية ،وهو ما بات يهدد هويتنا العربية والإسلاميةالأصيلة.

كما أن عزوف الشباب عن القراءة عموماً ،وتهيبهم من قراءة كتب التراثخصوصاً ومنها كتب السيرة النبوية ،لما فيها من توسع وإحاطة وإطالة،يدعونا إلىالإحتفاء بكل أعمال التقريب وشرح التراث ومنها كتابة السيرة النبوية الشريفة شعراً.

كما أن كتابة هذا الديوان بلغة عربية فصحى سليمة خالية من الإغراب والتعقيد،لاشكيسهم بشكل غير مباشر في جهود حماية اللغة العربية والحفاظ عليها ،و هي التي ماتزال تواجه التحديات من جراء تفشي استخدام العاميات والميل إلى اللغات الأجنبيةعلى مستوى الحياة اليومية والتعاملات عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي المختلفة.

إن صياغة سيرة المصطفى الحافلة بالأحداث والمواقف ،هذه السيرة التيتعد مصدرا من مصادر التشريع ،شعرا، تمثل تحدياً حقيقاً لمن يقرر الخوض في هذاالنوع من الكتابة.

استطاع الشاعر وليد العليمي هنا أن يقف عند المحطات البارزة في سيرةرسولنا الكريم، وخصوصا تلك التي شكلت نقطة تحول في مسيرة الدعوة الإسلامية في مدة ربعقرن مثل نزول الوحي والهجرة النبوية وغيرها من الأحداث المهمة التي تشكل محطاتمضيئة في التاريخ الإسلامي.

ويتضح بعد قراءة" ديوان السراج المنير"أنه يستوحي مادتهالإبداعية ورؤيته الإسلامية من القرآن الكريم أولاً، فالسنة النبوية الشريفةثانياً،كما أن هناك مصدراً مهما في نسج قصائد الديوان ،يتمثل في كتب التفسير التيفصلت حياة الرسول تفصيلا كبيرا كما يظهر ذلك جليا في تفسير ابن كثير على سبيلالتمثيل، إضافة إلى كتب السيرة التي تتمثل في مجموعة من الوثائق والمصنفات التيكتبت حول سيرة الرسول سواء أكانت قديمة أم حديثة وأذكر على سبيل المثال:"السيرة النبوية"لابن هشام، وسيرة ابن اسحق و"الرحيق المختوم" لصفي الرحمن،و"السيرة النبوية"لأبي الحسن الندوي و"فقه السيرة" لسعيدالبوطي، و"فقه السيرة" لمحمد الغزالي، و"السيرة النبوية" لمحمد متولي الشعراوي،للسيرة النبوية"" للدكتور مصطفى السباعي، و"نور اليقين" للخضري بك، و"فيالسيرة النبوية: قراءةلجوانب الحذر والحماية" للدكتور إبراهيم علي محمد أحمد، و"ملخص السيرةالنبوية" لمحمد هارون .

ديوان "السراج المنير" يد خل في تناص مباشر مع تراث أدبيزاخر عرف في تراثنا العربي بفن المدائح النبوية،أول ما ظهر من شعر المديح النبويما قاله عبد المطلب إبان ولادة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ شبه ولادته بالنوروالإشراق الوهاج الذي أنار الكون سعادة وحبوراً، يقول عبد المطلب:

وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضياء وفـــي النور وسبل الرشاد نختــرق

وتعود أشعار المديح النبوي إلى بداية الدعوة الإسلامية مع قصيدة"طلع البدر علينا"، وقصائد شعراء الرسول (صلعم) كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير صاحباللامية المشهورة:-

بانت سعاد فقلبي اليوم متبـــول متيم إثرها لم يفـــد مكبـــول

وقد استحقت هذه القصيدة المدحية المباركة أن تسمى بالبردة النبوية؛لأن الرسول (صلعم) كسا صاحبها ببردة مطهرة تكريما لكعب بن زهير وتشجيعا للشعرالإسلامي الملتزم الذي ينافح عن الحق وينصر الإسلام وينشر الدين الرباني. ونستحضرقصائد شعرية أخرى في هذا الباب كقصيدة الدالية للأعشى التي مطلعها: ألمتغتمض عيناك ليلـــة أرمدا وعاداك ماعاد السليم المسهدا ومن أهم قصائد حسان بنثابت في مدح النبي الكريم (صلعم) عينيته المشهورة في الرد على خطيب قريش عطارد بنحاجب: إنالذوائب من فهر وإخوتهم قد بينوا سنة للنـــاس تـــــتبع ومن أهم شعراء المديحالنبوي في العصر الأموي الفرزدق ولاسيما في قصيدته الرائعة الميمية التي نوه فيهابآل البيت واستعرض سمو أخلاق النبي الكريم وفضائله الرائعة، ويقول في مطلع القصيدة: هذا الذيتعرف البطحاء وطأته والبيـت يعرفه والحل والحـرم وقد ارتبط مدح النبي (صلعم) بمدحأهل البيت وتعداد مناقب بني هاشم وأبناء فاطمة كما وجدنا ذلك عند الفرزدق والشاعرالشيعي الكميت الذي قال في بائيته: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب ويندرج ضمنهذا النوع من المدح تائية الشاعر الشيعي دعبل الخزاعي التي مدح فيها أهل البيتقائلا في مطلعها:مدارس آيات خلـــت من تلاوة ومنزل حي مقفـــــــر العرصات ويذهبالشريف الرضي مذهب التصوف في مدح الرسول (صلعم) وذكر مناقب أهل البيت وخاصة أبناءفاطمة الذين رفعهم الشاعر إلى مرتبة كبيرة من التقوى والمجد والسؤدد كما في داليته: شغلالدموع عن الديار بكاؤنا لبكاء فاطمــة على أولادها

وللشاعر العباسي مهيار الديلمي عشرات من القصائد الشعرية في مدح أهلالبيت والإشادة بخلال الرسول (صلعم) وصفاته الحميدة التي لاتضاهى ولا تحاكى.. ولكنيبقى البوصيري الذي عاش في القرن السابع الهجري من أهم شعراء المديح النبوي ومنالمؤسسين الفعليين للقصيدة المدحية النبوية والقصيدة المولدية كما في قصيدتهالميمية الرائعة التي مطلعها:

أمن تذكر جيــــــران بذي سلم مزجت دمعا جرى من مقلــــة بـــدم

أم هبت الريح من تلقاء كاظمة وأومض البرق في الظلماء من إضم وقد عورضتهذه القصيدة من قبل الكثير من الشعراء القدامى والمحدثين والمعاصرين، ومن أهمهؤلاء الشعراء ابن جابر الأندلس في ميميته البديعية الت التي مطلعها: بطيبةانزل ويمم سيـــد الأمم وانشر له المدح وانثر أطيب الكلــــم

ويتجلي هذا الفن في العصر الحديث علي يد العديد من الشعراء الكبارأمثال أحمد شوقي في إسلامياته الشهيرة وعلي رأسها همزيته النبوية، والتي قال فيمدخلها:

ولد الهدي فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء الروح والملكالملائكة حوله للدين والدنيا به بشراء

هذا إلي جانب قصيدته الشامخة نهج البردة والتي يتحدث فيها عن نهج رسولالله في حياته, وفيدعوته, وكذلك قصيدته التي تعد من أروع قصائد السيرة النبوية, وهي قصيدته سلوا قلبيالتي تعد نموذجا كاملا لكل من يريد أن يسجل السيرة النبوية شعرا. ويأتيبعد أحمد شوقي صاحب الإلياذة الإسلامية الشهيرة أحمد محرم، والذي سجل سيرة الرسولفيها بشكل ضمني رائع في إلياذته المعروفة، ويأتي من بعدهما حافظ إبراهيم ومحمودحسن إسماعيل, وفي الوقت الراهن الشاعر الكبير محمد التهامي الذي كتب قصيدة في مدحالرسول, وفي تفاصيل دعوته وحياته.

* بعضالخصائص الأسلوبية للديوان لاشك أن موضوع السيرة النبوية ،وهو موضوع له ثقلهالتاريخي،وبعده التوثيقي ،وبما يحيطه من هالة قدسية روحية مستمدة من مكانة الرسولالأكرم وسيرته العطرة،يفرض بعض القيود الفنية على الشاعر المبدع ،ٍمثل الالتزامبالبعد الواقعي لسيروة السيرة النبوية الشريفة ،ومجانبة الإيغال في التخييل ،والحرصعلى بساطة اللغة وبعدها عن الإغراب والتعقيد. ولعل الاهتمام بهوامش الديوان حتى كادت أن تكون نصاً موازياً للنص الشعري،يعكسهذا الحرص على التوثيق ،والتأكيد على المرجعية التاريخية للموضوع ،وإبعاد شبهةالتغيير أو التحريف في سيرة النبي الكريم. ،وقد استطاع الشاعرمن خلال عدد من السمات الأسلوبية البلاغية ،أنيحقق لهذا العمل القدر الملائم من الجمال الفني وذلك من خلال: * استخدام صيغ المبالغة :- حرص الشاعر على استخدام صيغ المبالغة كسمةأسلوبية مهمة عملت على إنتاج شاعرية الديوان،وهي التقنية التي اتسقت مع الحالةالإستثنائية لسيرة الرسول الأعظم يقول:

- واعتنىبه شيبةُ الحمد مُفزع قريش عال القدرِ

- فياضالعرب وسيدهم مُطعم الوحش والطيرِ

- تاركالظلم و الأصنام و الوأد و الموفي بالنذرِ

- الداعيإلي التوحيدِ و الأخلاق والصدق و إعمال الفكرِ

التشبهات البلاغية :-

يعتمد الشاعر في الديوان على سلسلة من التشبيهات البلاغية ،مع قرب فيتناول الصورة يقول في وصف الرسول الكريم: -

- طيّبرائحتهُ مسكاً البارئ المصور المقتدرِ

- أزهراللون أبيض عَرقه كاللؤلؤ المصفرِّ

- استداروجهه شمساً ويبرق سروراً بلا هجرِ

- ضليعأشكل العين - وبياضعينهُ محمرِ

- رِبعة منالقوم ِ منيراً أهدب الشفرِ

* التصويرالاستعاري :- يعتمدالشاعر على التصوير الاستعاري كأداة أساسية في إنتاج شاعرية الديوان يقول :-

- وُلدالنورُ طودا فأرتجف إيوان الكُفرِ

- وتساقطتفي الكعبةِ الأصنام وسبقتها نجوم الشرِ

* الإعتمادعلى الجمل الفعلية:-

جاء البناء الفعلي في صيغة الماضي في مقدمة الأساليب التي اعتمد عليهاالشاعر في بناء جمله الشعرية، جاء هذا البناء الفعلي ملائماً من الناحية الفنية لطبيعةالسرد القصصي للسيرة النبوية،ومعززا ً لجانب التشويق الحكائي للسيرة العطرة،يقول:

وفي قباء أسس مسجداً فمحي الشر و الإقتار

- و وصلالمدينة بشيرا فتلألأت بزخرف الأنوارِ

- وشيدمسجده فتوهج الكون وسائر الأقطارِ

- ونزلبدار أبو أيوب فتعطرت بالأوراد والأذكارِ

- ووادعأهل الكتاب رحمة من الرحيم الباري - وآخى بين المهاجرين وأهل البيعة الأنصارِ - وصدح الأذان ترنيمة ً فسبحت الطيور والأشجارِ

- وأسلم"بن سلام" فهما ً وعلماً ونجاةً من النارِ

- ورُفعالوباء بدعاء النبي لأهل الدارِ

أخيرا ً فإن هذا الديوان يعد إضافة نوعية للكتابة الإبداعية فياليمن،وأهم مايميزها هو تجربة استلهام التراث العربي والتاريخ الإسلامي بشكل مميز،وتقديمه في قالب شعري فني محبب. ويمكن ان يكون مرجعا ً في السيرة النبوية وأرى أنيدرّس في المرحلة المتوسطة من التعليم العام .

 

د.منىالمحاقري كلية التربية – جامعة صنعاء

عضو المجمع العلمي اللغوي اليمني